جلال الدين السيوطي
139
الإتقان في علوم القرآن
وكثيرا ما يصحبه التكذيب ، وهو في الماضي بمعنى ( لم يكن ) ، وفي المستقبل بمعنى ( لا يكون ) ، نحو : أَ فَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ [ الإسراء : 40 ] أي : لم يفعل ذلك . أَ نُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ [ هود : 28 ] . أي : لا يكون هذا الإلزام . الثاني : التوبيخ : وجعله بعضهم من قبيل الإنكار ، إلّا أنّ الأول إنكار إبطال ، وهذا إنكار توبيخ ، والمعنى على أنّ ما بعده واقع جدير بأن ينفى ، فالنفي هنا غير قصديّ والإثبات قصديّ ، عكس ما تقدم ، ويعبّر عن ذلك بالتقريع أيضا ، نحو : أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي [ طه : 93 ] ، أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ [ الصافات : 95 ] ، أَ تَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ ( 125 ) [ الصافات : 125 ] . وأكثر ما يقع التوبيخ في أمر ثابت ووبّخ على فعله كما ذكر ، ويقع على ترك فعل كان ينبغي أن يقع ، كقوله : أَ وَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ [ فاطر : 37 ] ، أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها [ النساء : 97 ] . الثالث : التقرير : وهو حمل المخاطب على الإقرار والاعتراف بأمر قد استقرّ عنده . قال ابن جنّي : ولا يستعمل ذلك بهل ، كما يستعمل بغيرها من أدوات الاستفهام . وقال الكنديّ : ذهب كثير من العلماء في قوله : هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ( 72 ) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ [ الشعراء : 72 ، 73 ] إلى أنّ ( هل ) تشارك الهمزة في معنى التقرير والتوبيخ ؛ إلّا أني رأيت أبا عليّ « 1 » أبى ذلك ؛ وهو معذور ، لأن ذلك من قبيل الإنكار . ونقل أبو حيان « 2 » عن سيبويه : أنّ استفهام التقرير لا يكون بهل ، إنما يستعمل فيه الهمزة ، ثم نقل عن بعضهم أنّ ( هل ) تأتي تقريرا ، كما في قوله تعالى : هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ( 5 ) [ الفجر : 5 ] . والكلام مع التقرير موجب ، ولذلك يعطف عليه صريح الموجب ، ويعطف على صريح الموجب . فالأول : كقوله تعالى : أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ( 1 ) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ ( 2 ) [ الشرح : 1 ، 2 ] ، أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى ( 6 ) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى ( 7 ) [ الضحى : 6 ، 7 ] ، أَ لَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ( 2 ) وَأَرْسَلَ [ الفيل : 2 ، 3 ] .
--> ( 1 ) انظر البرهان 2 / 332 . ( 2 ) انظر البحر المحيط 7 / 23 .